ساسي سالم الحاج

86

نقد الخطاب الاستشراقي

وقد رتب المستشرقون على هذه الآلام النفسية التي قاساها الرسول بفقد أهله نتائج بالغة الأهمية أهمها أن جميع مشاريعه المستقبلية كانت ثمرة هذا الشقاء الذي عاناه في طفولته ، فانعكس على شخصيته التي أراد لها نجاحا استثنائيّا لا نظير له للتعويض عن تلك الآلام . ومن هذه الآلام انبثقت في ذهنه تلك الأفكار التي قادته في النهاية إلى ادعاء النبوة وإلى تأسيس دين ودولة عظيمين . ونحن نرى أن التفسير النفسي لهذه الأمور لا يمكن التسليم به على علّاته ، ولا يمكن أن يقود بالضرورة عظماء الرجال إلى اختراع مشاريع إنسانية تتعدّى حدود الزمان والمكان . نعم ، إن الشعور باليتم والظلم والقهر يثير في النفس الإنسانية كوامن التمرّد والثورة على الأوضاع التي تعيشها . ولعل من مر بتجربة اليتم هذه يشعر بعناء ما يلاقيه الإنسان الذي يصاب بها . فتتحوّل حياته إلى رقة وعطف وحنان على البشر والكائنات الحيّة على حدّ سواء . وتراه - وإن كان يشعر باللوعة والحسرة على فقدانه للأقارب والخلان - يعبر عن ذلك الشعور المؤلم بالسمو على الذات الآنية ، والانطلاق إلى رحاب الإنسانية ، والعمل على كل ما من شأنه التخفيف عن المظلومين والمقهورين والمغبونين . ولعل الرسول قد تأثّر بطفولته البائسة الأليمة فانقلبت حياته إلى رقة وحب وحنان . فالحوادث التاريخية تؤيد هذه العواطف في أجلّ مظاهرها ، فهو عطوف على الفقراء والمساكين ، وهو لطيف مع أصحابه وأتباعه ، وهو رحيم بالإنسان والحيوان على حدّ سواء . ولكن هذا الشعور المتعالي للنفس البشرية على سفاسف الأمور لا يقود صاحبها إلى الادعاء بمهام جسيمة تتعدى طاقات البشر العادية . وبمعنى آخر لا تصل بصاحبها إلى الادعاء بأنه مبعوث العناية الإلهية . ولعلّ طموحه لا يتجاوز السعي من أجل إصلاح مجتمعه من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ولكن الرسول لم يكن مصلحا اجتماعيا فحسب لأن المهمة التي أنيطت به ، وتحملها عن طيب خاطر بما له من مسؤوليات وتبعات جسيمة قد تعدّت هذه المفاهيم جميعا وبالتالي فإنها لا تتولد حتما عن الانعكاسات النفسية التي يمر بها الإنسان في بعض لحظات عمره ، ولكنها نتيجة أمور استثنائية ليست خاضعة للمعايير البشرية العادية ويمكن التسليم بها دونما نظر للمقاييس العقلية . تعرّض المستشرقون إلى سيرة الرسول الذاتية قبل البعثة النبوية . وركّزوا على تأثيرات الحرب والسياسة في المجتمع المكي على نبوّته المستقبلية ، وأشاروا بالخصوص إلى حلف الفضول الذي حضره الرسول شخصيّا والذي لا يزال يذكره